العيني

53

عمدة القاري

باب ما ينهى من الكلام في الصلاة ، والأعمش هو سليمان ، عمرو بن مرة ، بضم الميم وتشديد الراء . وابن أبي ليلى هو عبد الرحمن ، رأى كثيرا من الصحابة مثل : عمر وعثمان وعلي وغيرهم ، وهذا تعليق وصله البيهقي من طريق أبي نعيم في ( المستخرج ) : ( قدم النبي ، صلى الله عليه وسلم ، المدينة ولا عهد لهم بالصيام ، فكانوا يصومون ثلاثة أيام من كل شهر حتى نزل رمضان ، فاستكثروا ذلك وشق عيهم ، فكان من أطعم مسكينا كل يوم ترك الصيام ممن يطيقه ، رخص لهم في ذلك ، ثم نسخة * ( وأن تصوموا خير لكم ) * ( البقرة : 481 ) . فأمروا بالصيام . وهذا الحديث أخرجه أبو داود من طريق شعبة والمسعودي عن الأعمش مطولاً في الأذان والقبلة والصيام ، واختلف في إسناده اختلافا كثيرا ، وطريق ابن نمير هذا أرجحها . قوله : ( حدثنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ) أشار به إلى أنه روى هذا الحديث عن جماعة من الصحابة ، ولا يقال لمثل هذا رواية مجهول لأن الصحابة كلهم عدول . قوله : ( فنسختها ) * ( وأن تصوموا ) * ( البقرة : 481 ) . الضمير في نسختها يرجع إلى الإطعام الذي يدل عليه أطعم ، والتأنيث باعتبار الفدية ، وقوله * ( وأن تصوموا خير لكم ) * ( البقرة : 481 ) . في محل الرفع على الفاعلية ، والتقدير قوله : وأن تصوموا . وكلمة : أن ، مصدرية تقديره : وصومكم خير لكم ، وقال الكرماني : فإن قلت : كيف وجه نسخها لها والخيرية لا تقتضي الوجوب ؟ قلت : معناه الصوم خير من التطوع بالفدية ، والتطوع بها سنة ، بدليل أنه خير ، والخير من السنة لا يكون إلاَّ واجبا . انتهى . قلت : إن كان المراد من السنة هي سنة النبي صلى الله عليه وسلم ، فسنة النبي كلها خير ، فيلزم أن تكون كل سنة واجبة وليس كذلك . وقال السدي : عن مرة عن عبد الله ، قال : لما نزلت هذه الآية : * ( وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ) * ( البقرة : 481 ) . وقال : والله يقول : * ( الذين يطيقونه ) * ( البقرة : 481 ) . أي : يتجشمونه ، قال عبد الله : فكان من شاء صام ومن شاء أفطر وأطعم مسكينا . * ( فمن تطوع ) * ( البقرة : 481 ) . قال : أطعم مسكينا آخر * ( فهو خير له وأن تصوموا خير لكم ) * ( البقرة : 481 ) . فكانوا كذلك حتى نسختها : * ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) * ( البقرة : 581 ) . 9491 حدَّثنا عَيَّاشٌ قال حدَّثنا عبْدُ الأعْلَى قال حدثنَا عُبَيْدُ الله عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ الله عنهُمَا قرَأ : فِدْيَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ ، قال : هِيَ مَنْسُوخَةٌ . ( الحديث 9491 طرفه في : 6054 ) . أشتر بهذه الرواية إلى وصل التعليق الذي علقه في أول الباب بقوله : قال ابن عمر ، وأشار أيضا إلى بيان قراءة عبد الله ابن عمر في قوله : * ( فدية طعام مسكين ) * ( البقرة : 481 ) . فإنه قرأ : مسكين ، وبصيغة الإفراد ، ولكن لما ذكر في التفسير ، قال : طعام مساكين ، بصيغة الجمع ، وكذا رواه الإسماعيلي في ( صحيحه ) وأشار أيضا إلى أن * ( فدية طعام مسكين ) * ( البقرة : 481 ) . منسوخة غير مخصوصة ولا محكمة . وعياش ، بالياء آخر الحروف المشددة والشين المعجمة ، وعبد الأعلى هو ابن عبد الأعلى ، وعبيد الله بن عمر العمري المدني . 04 ( ( بابٌ مَتَى يُقْضَى قَضَاءُ رَمَضَانَ ) ) أي : هذا باب يبين فيه متى يقضي ، أي : متى يؤدى قضاء رمضان ، والقضاء بمعنى الأداء ، قال تعالى : * ( فإذا قضيت الصلاة ) * ( الجمعة : 01 ) . أي : فإذا أديت الصلاة ، وليس المراد من الأداء معناه الشرعي ، وهو تسليم عين الواجب ، ولكن المراد معناه اللغوي وهو الإيفاء ، كما يقال : أديت حق فلان أي : أوفيته ، وفسره بعضهم بقوله : متى يصام الأيام التي تقضى عن فوات رمضان ؟ وليس المراد : قضاء القضاء على ما هو ظاهر اللفظ . انتهى . قلت : ظن هذا أن المراد من قوله : متى يقضي ؟ معناه الشرعي ، وليس كذلك ، فظنه هذا هو الذي ألجأه إلى ما تعسف فيه ، ثم أنه ذكر كلمة الاستفهام ولم يذكر جوابه لتعارض الأدلة الشرعية والقياسية ، فإن ظاهر قوله تعالى : * ( فعدة من أيام أخر ) * ( البقرة : 581 ) . أعم من أن تكون تلك الأيام متتابعة أو متفرقة ، والقياس يقتضي التتابع لأن القضاء يحكي الأداء ، وذكر البخاري هذه الآثار في هذا الباب يدل على جواز التراخي والتفريق . وقال ابنُ عَبَّاسٍ لاَ بَأسَ أنْ يُفَرَّقَ لِقَوْلِ الله تعَالَى : * ( فَعِدَّةٌ مِنْ أيَّامٍ أُخَرَ ) * ( البقرة : 481 ) . هذا التعليق وصله مالك عن الزهري أن ابن عباس وأبا هريرة اختلفا في قضاء رمضان ، فقال أحدهما : يفرق ، وقال الآخر : لا يفرق ، وهذا منقطع مبهم لأنه لم يعلم المفرق من غير المفرق ، وقد أوضحه عبد الرزاق ووصله عن معمر عن الزهري